مرّ على أخر مرة رأيته فيها ثلاثة أيام ، لستُ خائفة عليه من أن يقع في متاهات الليل و الاستراحات التي أسمع عنها من نساء الحي .. لا لأنه جيدٌ معصوم لكن لأن حلمه يُعميه عن كل مافي هذه الدنيا ..عن ابن الجيران الذي يترصدني كل ظهر عند الباب .. عن شبه السقف فوق رؤوسنا .. وعن أمي التي تتهالك كل يوم مثل هذا البيت .. بينها وبينه علاقة طردية كلما ازدادت الجدران شقًا ظهر مثله على جسدها ووجهها الذي لا يليق أبدًا بإمرأة سمراء بالكاد انتصفت في أربعينها .. تلم بضاعتها كل عصر .. ثلاجة العصير والحلوى وأكياس البطاطس التي يوشك تاريخها على الإنتهاء ثم الشراريب و”البيز” وفي الشتاء تزدهر .. تأتي بالقفازات والشالات وشراريب الأطفال الشتوية ..ثم تبسطها على زقاق ضيّق في سوق قيظه لا ينقضي بإنقضاء النهار .
في البيت ومنذ أن أكل السكري أبي تخلت عن الحناء على أظافرها وفي باطن كفها الذي كان زينتها الوحيدة أيام حياته .. وباتت لا تنتظر شيئًا سوى الليل يجيء بأخي بثوبة المسود من شحم وزيت السيارات عائدًا من عند خردته التي يسميها حبيبته .. خردته هذه هي كل ما يملكه هي الحلم والمال والحبيبة .. يصمد المئة ريال التي تأتيه من أمي كل شهر ويقبل أن يعمل أي شيء ، يكون بديلاً لميكانيكي المحطة عندما يغيب ، أو حمالاً في سوق الخضار وربما روث الحيوانات .. المهم أنه سيقبض مالاً يصرفه على سيارته وتجاربه عليها .. أخي الذي تجاوز العشرين بخمس لا زال يظن أنه سيصبح سائقًا محترفًا وسيفوز في راليات العالم يومًا ما !
تنتظره وما إن يقبل تصرخ فيه : “وينك ؟ أطول منّي ولسى أصرف عليك ؟ ” .. تتدارك غضبها ، تبتلع حسرتها وتسأله بكل إنكسار العالم : تعشيّت؟
27 أبريل 2010 عند 11:17 ص |
يا رب المحزونين
أجبر بقلوب هؤلاء البسطاء وحقق لهم ما يتمنون
سردك بديع يا جميله
شكرًا لك على المتعة التي أهديتني اياها
7 مايو 2010 عند 8:03 م |
يا رب..
وشكرًا يا نوفه على مرورك الطيّب الذي يسعدني كل مرة .. يسعدني كثيرًا
(f)
13 مايو 2010 عند 10:22 م |
في كل مرة أكرر كلامي حين أقول؛ أنت ساحرة التفاصيل منيرة!
وليس سهلاً أبداً أن نحكي باختيار تفصيل واحد يوجز أحداثاً كثيرة..
مؤلمة..
مؤلمة بعبرة..
لكننا في الوقت ذاته نخرج من القصة بحيرة لأننا لا نستطيع أن نكره أحداً!
هو يحلم! والحالم معذور حتى توقظه الحياة على شمسها اللاهبة، أو تكسر حلمه على صخورها..
أمر واحد فقط يدهشني! كيف تحكين عن التفاصيل وتكونين “مقتضبة ! نفسك قصير جداً =/ وهو ليس عيباً بالمناسبة! بل الإيجاز والبلاغة فنّ! لكن تفاصيلك مغرية بالمزيد..بالقراءة لك أكثر..
(f)
16 يونيو 2010 عند 3:21 م |
أحسست بغصتها فعلا!
و بعظم حبها أيضا
\
ريم الشوق
17 سبتمبر 2010 عند 3:42 ص |
رائعة ومعبرة ككل شيء قرأته هنا، مدهش وجميل.
كل عام وأنت بخير